محمد دياب الإتليدي

169

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

الفتى العاشق وجعفر قال إبراهيم بن إسحاق : كنت منقطعاً إلى البرامكة ، فبينما أنا ذات يوم بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي : على الباب فتى جميل يستأذن ، فأذنت له ، فدخل شاب عليه أثر السقم ، فقال : لي مدة أحاول لقاءك ولي إليك حاجة . فقلت : وما هي ؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي . وقال : أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحناً في بيتين قلتهما . فقلت : أنشدنيهما فقال : بالله يا طرفي الجاني على كبدي . . . لتطفئن بدمعي لوعة الحزن لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني . . . فلا أراه ولو أدرجت في كفني قال : فصنعت لهما لحناً يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه مات ثم أفاق ، وقال : أعده فناشدته الله وقلت : أخشى أن تموت فقال : ليت ذلك ، وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقةً أشد من الأولى ، فلم أشك في موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس ، فحمدت الله على السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت : خذ مالك وانصرف عني . فقال : لا حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته . فشرهت نفسي فقلت : أعيده ولكن بثلاث شروط ، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي حتى تتقوى نفسك ؛ الثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك ؛ الثالث أن تحدثني بحديثك . ففعل ذلك ثم قال : إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً ، وقد سال المطر في العقيق ، مع إخواني فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى ، تنظر بعيني ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما ، فظللن حتى فرغ النهار ، فانصرفن وقد رمت بقلبي جراحاً بطيئة الاندمال ، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحداً يرشدني إليها فجعلت أتتبعها في الأسواق فلم أقع لها على خبر ، ومرضت أسىً ، وحكيت قصتي لذات قرابة لي فقالت : لا بأس عليك ، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ ، وأنا أخرج معك فافعل مرادك .